الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

98

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

العظيمة وصبر " المؤمنين السابقين في الخيرات " ينتقل الحديث هنا إلى العقوبات الأليمة للكفار ، والحديث هنا أيضا عن العقوبات المادية والمعنوية . تبتدئ الآيات بالقول : والذين كفروا لهم نار جهنم ، فكما أن الجنة دار المقامة والخلد للمؤمنين ، فإن النار أيضا مقام أبدي للكافرين . ثم تضيف لا يقضى عليهم فيموتوا ( 1 ) ، فمع أن تلك النار الحامية وذلك العذاب المؤلم يستطيع القضاء عليهم في كل لحظة ، إلا أنهم ولعدم صدور الأمر الإلهي - وهو المالك لكل شئ - بموتهم لا يموتون ، يجب أن يبقوا على قيد الحياة ليذوقوا عذاب الله . فالموت بالنسبة إلى هؤلاء ليس سوى منفذ للخلاص من العذاب ، لكن الله تعالى أوصد دونهم ذلك المنفذ . يبقى منفذ آخر هو أن يبقوا على قيد الحياة ويخفف عنهم العذاب شيئا فشيئا ، أو أن يزداد تحملهم للعذاب فينتج عن ذلك تخفيف العذاب عنهم ، ولكن تتمة الآية أغلقت هذا المنفذ أيضا ولا يخفف عنهم من عذابها . ثم تضيف الآية وللتأكيد على قاطعية هذا الوعد الإلهي كذلك نجزي كل كفور . فقد كفر هؤلاء في بادئ الأمر بنعمة وجود الأنبياء والكتب السماوية ، ثم أتلفوا رصيدهم الذي سخره الله لمساعدتهم على نيل السعادة ، نعم ، فجزاء الكفار ليس سوى الحريق والعذاب الأليم ، الحريق بالنار التي أشعلوها بأيديهم في الحياة الدنيا واحتطبوا لها من أفكارهم وأعمالهم ووجودهم . وبما أن كلمة " كفور " صيغة مبالغة ، فإن لها معنى أعمق من " كافر " ، علاوة على أن لفظة " كافر " تستخدم في قبال " مؤمن " ولكن " كفور " إشارة إلى أولئك الذين كفروا بكل نعم الله ، وأغلقوا عليهم جميع أبواب الرحمة الإلهية في هذه الدنيا ، لذا فإن الله يغلق عليهم جميع أبواب النجاة في الآخرة .

--> 1 - " لا يقضى عليهم " بمعنى لا يحكم عليهم .